نشر في 19-03-2019 الساعة 21:28



طارق سعد يكتب: روح أمك!

وجود الطبيعة لم يكن عبثاً فحاشا لله الذي خلقها وأبدعها فوضع لها قوانينها التي يستحيل على البشر مواجهتها أو تغييرها فربما تستطيع تغيير الطبيعة نفسها بعوامل مختلفة ولكن تغيير قوانينها يظل مفتاحه الوحيد مع خالقها بشكل حصري غير قابل للمشاركة.

رغم تنظيم قوانين الطبيعة وثباتها إلا أنه كعادات الإنسان القبيحة بأن يضع الـ “تاتش بتاعه” فيلوث ويشوه ويعيث فيها فساداً كالمجنون متستراً خلف إبداعه الذي يمرر عن طريقه أفعاله الشاذة.

أما بالنسبة لقوانين الطبيعة التي خلقها الله وثبتها تجدها خرجت بأساس واحد فلكل شيء “أم” .. فمنذ بداية الخليقة ومنذ خلق الله الذرة كانت هي أم الحياة التي تحيطنا وعندما خلق سيدنا آدم خلق من ضلعه حواء لتكن أماً للبشرية كلها وتحملها في أحشائها فبدونها لن تكتمل الحكاية ومع الحياة والعلم جُعل أيضاَ لكل شيء أم  فأم الرأس منتصفها وأساسها وهناك الماسورة الأم واللوحة الأم وفي اللغة الرؤية بأم العين هي الرؤية الصحيحة الصريحة الصادقة وغيرها … حتى أن الله سبحانه وتعالى جعل عنده “أم الكتاب” وهي الصحف التي عنده فوق عرشه ليس فيها محو ولا تبديل أما كتاب الله نفسه كقرآن كريم جعل الله من كلامه “سورة الفاتحة” أم الكتاب ومن البداية خلق الله الروح لتكون أم الحياة فبدونها تفنى وتصبح عدم.

الحقيقة التي تفرض نفسها هي أن الحياة كلها بُنيت وأسست على “الأم” سواء فى المادة أو الأم التي أتت بك إلى هذه الدنيا ومنحتك حق الحياة فالروح الحقيقية لهذه الحياة هى “أمك” وهي حقيقة مسلم بها دينياً واجتماعياً وأيضاً نفسياً فحقوقها عليك أكبر من أن تُقدر أو تُشرح فأنت أمام حق وواجب أصيل ليس لك فيه اختيار فإما الجنة أو يقذفك غباؤك إلى النار!

ويتجلى الغباء هنا في أغبى صوره في ستار الإبداع الذي نسجه وصنعه وورَّده لنا صناع الأعمال الفنية في السنوات الأخيرة لتشاهد على “أم الشاشة” صغيرة أو كبيرة وعلى “أم خشبة المسرح” مهازل ومساخر يدور معظمها فى فلك الحط من قيمة الأم وتشويه صورتها والتقليل منها سواء بوضعها فى صور منافية لقيمتها المقدسة من خلال حبكات درامية ملوثة أو السخرية منها والاستهزاء بها من منطلق صناعة مواقف كوميدية هى في الأصل فاسدة ومتعفنة ظاهرها الإضحاك وباطنها تدمير أهم قيم وأعمدة المجتمع وبين الحبكة والكوميديا خيط من النار يربطهما وهو السُباب الدائم للأم أو بالأم لنجد أنفسنا كأسوياء أمام “أم المصائب” يتقزز منها الكبار ويتجرعها ويتعلمها الصغار لتذهب بنا إلى “أم الهاوية”.

الواقع أن إدعاء الإبداع في هذه المنطقة باطل وهو جريمة مكتملة الأركان واغتيال للأم مع سبق الإصرار والترصد ويجب محاكمة أصحابه ومدعيه والمدافعين عنه معهم فتخريب المجتمع وإفساد أجيال قادمة يتأسس عليها مستقبل هذا المجتمع ليس بالجريمة السهلة ولكنه عمل يقوده شيطان الغباء الذي يلتبس هؤلاء فلن تستطيع هنا التسليم بنظرية المؤامرة لأنها يلزمها عمل منظم وهو الأسهل في السيطرة عليه وتحجيمه وتقطيع أواصله إلا أن الأخطر هو عشوائية الأداء التى تخرج عن إطار السيطرة فلا تعرف لها رأس من قدمين ولا صاحب بل تنطلق كفيروسات مدمرة في كل اتجاه تصيب وتُميت وتفاجئك بتحورها وتطورها فتجد نفسك تقف فقط “مدووش” مما يحاصرك فتفقد القدرة على القضاء على هذا الوباء وأنت ترى انهيار العامود الرئيسي للمجتمع بأيادٍ من داخله!  

أصبح في حكم المؤكد أنه لن ينفع مع هذا النوع من الإبداع المتعفن تصورات أو توجيهات لجنة دراما أو جهات إعلامية وفنية متخصصة لأنك لن تستطيع التدخل فعلياً في كتابة عمل فكثير من الأعمال قد يُهدم ويتوقف بالكامل بسبب سياقه الدرامي الذي طاله هذا الفيروس اللعين وإن فعلت فإنك غيرت شكل عمل ولكنك لم تغير الفكر وهو الأخطر فقد أصبح لزاماً علينا كمواجهة الفكر بالفكر إطلاق حملات منظمة ضد هذا الخلل الدرامي في الأعمال الفنية ومهاجمته مهاجمة شرسة مستمرة ووضع أصحابه في مرمى الهدف أمام المجتمع يحكامهم بازدرائهم وهجر أعمالهم فيكبدهم الخسائر فتضطر هذه الفئة من صناع الفن

– مجازا ً- لإعادة حساباتهم ومراجعة أفكارهم قبل تقديمها للجمهور الذي سيقف لهم بالمرصاد متصدراً في “أم المواجهة”.

للأسف هذه العينة من الأعمال التي ارتضى صناعها سحب الجنة التي وضعها الله تحت أقدام الأمهات واستبدالها بالانحرافات وسوء السلوك والبلاهة وعدم المسؤولية  والإهانات هي انفلات فني ظهرت وتفشت منذ أحداث يناير 2011 مع الانفلات الأعظم فيما أسموه بثورات الربيع العربي والحقيقة أنها ثورات الـ “تعفن العربي” والتي أخرجت أسوأ وأحط ما فيه فبعد استهداف أعمدة الدول الرئيسية جاء استهداف أعمدة البيت والأسرة والتي يرتكز عليها المجتمع ككل والغريب أن نفس هؤلاء المخربين والمشوهين لصورة الأم بشكل أصبح شبه ثابت ينهشون بها ولم يتركوا منها إلا احتفالاً بعيد الأم والأغرب أنهم أول من يحتفلون بها ويتحدثون بشغف عن أدوار أمهاتهم بشكل خاص ودور الأم وتأثيره بشكل عام في المجتمع لتصيبك حالة من التقزز من هذا الانفصام الذي يحاصرك وتتأكد أن “السبوبة” فقط تحكم!

أنت الآن فى مواجهة خطر حقيقي يحمل شراً عليك مواجهته بكل طاقتك وقوتك فإن كنت تمتلك صغاراً فيجب تنظيف مساحات تخزينهم من تلك الفيروسات التي أصابتها وإعادة صياغة دور الأم ومكانتها لهم من جديد والتأكيد عليها قبل أن تتحول الصور المشوهة معهم لأسلوب حياة.

من جهة أخرى يجب أن تدير ظهرك لهذه الجرائم التي تدور تحت مسمى فن وإبداع ظلماً وعدواناً وتلتفت فوراً لأمك وتنال رضاها وتبرها وتقدرها وتعطيها ما تستحقه وترضى فيها الله لتضمن مستقبلك بدعوات تنفذ إليه مباشرة  بوزنها وقيمتها التي قدرها الله لها.

اذهب إليها الآن واغتنم الفرصة في حياتها ووجودها لتحيا في راحة ضمير وراحة بال  … اغتنم الفرصة وأصلح كل الأمور واهنأ بها الآن في حياتها ولا تجعل ما بينكما مجرد يوم عيد تتذكرها فيه.

أمك ثم أمك ثم أمك … هذا الكنز الإلهي .. اغتنمها الآن و”اشبع” منها ومن التعامل معها وهي تتنفس حولك وبين أحضانك قبل أن تنتهي رحلتها وتغادرك فيتوقف بك نبض الزمن في هذه اللحظة وتجد نفسك بعدها وحيداً شارداَ تائهاً في وضع منتهى القسوة وأنت تتعامل فقط مع … “روح أمك”!


أحدث تعديل 19-03-2019 الساعة 21:28