نشر في 18-03-2019 الساعة 16:58

تابعتُ رحلة الكاتبة الإماراتية تهاني الهاشمي في الكتابة منذ بدايتها وإختيارها الموفق لفن الرواية فأجادت فيه وأنتجت أربع روايات متميزة هي: “جرف هار”،”حب في الزحام”،”ياسلام”،”ولاكلمة” ثم أعقبتها بمجموعتها القصصية الأولى التي صدرت عن دائرة الثقافة بالشارقة في أواخرعام 2018 بعنوان:”تناقضات” وكانت مبدعة ومتميزة وهي تسبح في نهرالرواية فوجدناها تثقف نفسها وتلم بكل جديد في مدارس الأدب العالمي وتحاول أن تجدد وترتقي من رواية إلى أخرى فتنوع أساليبها السردية ، ما بين السرد المتأثر بالسيرة الذاتية ( كما فى روايتيها : حب في الزحام ،وجرف هار) و أسلوب السرد المحكم (كما في روايتها:ولا كلمة) أوتستخدم أسلوب السرد متعددالأصوات (كما فى روايتها:ياسلام) ولا يقف تميزها عند براعة السرد فقط فهي ترسم شخصياتها الروائية بعناية وتنتقي الأحداث الدرامية من حياة شخصياتها ، وتلضمها معا في حبكة قوية مثيرة تجعل الصراع الدرامي في الرواية ينمو ويتصاعد ليجسد الرسالة التي تريد توصيلها للقارىء ، وهاهي تأخذنا هذه المرة إلى بستان القصة ، وبنفس روح التجديد والإبداع التي إتبعتها وهي تكتب رواياتها تقدم لنا تهاني الهاشمي في مجموعتها القصصية الأولى:”تناقضات” رصداً واعياً ومتميزاً لصور من التناقضات التي تسربت إلى حياتنا المعاصرة ، سواء بسبب ضغوط على المرأة العاملة كما في قصة :”راح فادي” التي تبرزالتناقض الذي تقع فيه “نايلا” عارضة الأزياء ، بين مسؤوليتها عن أمها التي تجري لها عملية جراحية وبين رغبتها في التمتع بالحياة ، ومن خلال تداخل التفاصيل واستخدام الأوصاف الدقيقة والجمل القصيرة والإيقاع السريع رسمت المؤلفة صورة معبرة عن التناقضات في حياة المرأة العاملة :”تمط شفتيها وهي تصبغها بلون أحمر قانٍ ،يرن هاتفها الذي تجاهلته منذ ليلة البارحة ، تقرأ الرسالة الأخيرة “شكراً وصل المبلغ”، تحضر زميلتها من قسم الإستقبال لتعلن عن وصول أولى زبوناتها ، تتمايل أمامها مستعرضة جمال جسدها فيما تنظر لها الزبونة بغيظ دفين ، تموج لها خصلات شعرها ، تنهي عملها وتغادر تلك الحقودة السمينة ، فيما تستقرىء نايلا الأرقام في حسابها البنكي من جديد ، تعض على شفتيها ، وتعيد “ياعذراء” ….

وفي قصة:”امنحها القليل” ترصد تهاني الهاشمي صورة أخرى من تناقضات الضغوط الواقعة على المرأة خصوصاً من تملك طموحاً زائداً ، فالزوج لا يقدر إنشغال وتعب زوجته العاملة ، فيقل التفاهم بينهما ويصل إلى أن يقوم الزوج بطلب يد مخدومته “كايرا” للزواج ، إذ يجدها أكثر حنواً عليه وعلى أولاده من زوجته .

وفي قصة” أم البنات” نجد شكلاً مختلفاً من التناقض فى العلاقات الأسرية، فالبطل قاضٍ ودارس للتشريع والفقه ، لكنه يقع فى حب فتاه تعرف عليها من وسائل التواصل الإجتماعي، وبعد أن يهيم بها حباً يطلبها للزواج فتشترط عليه أن يلتقيا أولاً ، وفي مكان عام تأتى إليه وقد غطت وجهها بنقاب، ويدفعه الفضول لرؤية وجهها ، لكنه لحظة أن يرفع عنها النقاب ، يصاب بصدمة شديدة ، إذ يكتشف أنها إحدى أخواته الست التي أنجبتهن زوجة أبيه الأولى .

أما قصتها :”في بيتنا شيخ” فترصد شكلاً آخر من التناقض ، فبطلها شاب يقع ترتيبه الخامس عشر بين إخوته وأخواته ، فيجد نفسه وهو في المدرسة زميلاً لإبن أخته الكبرى ، ولأنه كان يعاني من بعض الحرمان بسبب إنشغال والده عنه ، كان إبن أخته يعطف عليه ويقتسم مصروف جيبه معه، وكان ذلك يسبب له بعض الإحراج والمعاناة إلا أنه كان يحمد الله ويشعر بالرضا ، فجعل الأسرة كلها تنظر إليه كشيخ يتبركون به ويهرعون إليه كلما تمرض أحد أطفالهم ليقرأ عليه الرقية الشرعية وبعض آيات القرآن الكريم ، ودائما كانت أطفالهم تتحسن أحوالهم بين يديه .

وترصد قصة:”ليلة الخميس” تناقض الطمع في حياة رغدة وعريس غني لكن المفاجأة أن الدنيا لا تعطى كل شيىء ، فنهاية القصة تصدمنا بأن العريس الذي هامت به العروس وأهلها عقيم لا ينجب، والمال وحده لا يشترى السعادة والحب .

أما في قصة :”البطل” فترصد المؤلفة من خلالها حالة التناقض الذي يعيشه بطل القصة الموظف المهووس برشاقته وجسمه الرياضي إلى حد الوله وعدم التركيز ، ورغم إهتمامه بعمله وسهره للتحضير لإجتماع مهم ، يؤدي عدم تركيزه إلى أن يضع الملف الخطأ أمام رئيسه في الإجتماع ، وفي وقت غير مناسب يكتشف أنه قد نسى الملف الصحيح في البيت ويضيع مجهوده كله بسبب عدم تركيزه وهوسه برشاقته وجسمه الرياضي، وترسم تهاني الهاشمي في قصص هذه المجموعة (13 قصة) صوراً مختلفة للتناقض في حياتنا المعاصرة فقصة:” طبيب ماهر” بطلها يحوله إغراء المال من طبيب إلى تاجر أعضاء بشرية ، وفى قصة:”الخرتيت والغزالة” يحدث تناقض وتبادل أدوار بين مذيعة سمينة ومذيعة رشيقة تحاول مساعدة زميلتها السمينة وتأخذها إلى طبيب تجميل ليجري لها عمليات تخلصها من الدهون والوزن الزائد وبمجرد أن يحدث ذلك تهجر هي عالم الأضواء والشهرة بل وتتحجب بعد أن تزوجت رجل أعمال ثري جداً، إنها مفارقة صادمة في نهاية القصة.

وفي قصة:”موعد العشاء” ترصد المؤلفة التناقض بين الحياة المعاشة وبين الواقع الإفتراضي الذي نراه على الشاشات وفي وسائل الإعلام ويقتحم عقولنا فيشوش حياتنا ويضفى عليها الشعور بالعبثية واللا معقول ، وقد يصل التناقض إلى مواجهة صريحة بين الحياة والموت كما في قصة :”أغداً ألقاك” فبطلها متطرف يتستر برداء الدين وفى الوقت الذي يستعد للقاء عروسه ، يستعد أيضاً للقيام بتفجير مسجد بمن فيه من مصلين ففي شخص واحد تناقض المواجهة بين الموت والحياة .!

وفي لغة سلسة ذكية تخفف تهاني الهاشمي وطأة هذه التناقضات العجيبة فتختم مجموعتها بقصة:”تبادل أزواج” التي تحمل تناقضاً طريفاً لا يحدث إلا في الحلم وهو تناقض تبادل المواقع ، فحينما يختلط الحلم بالحقيقة يتحول سخطنا على الواقع المعاش إلى رضا بما نحن فيه ، فبطلة القصة(ميثاء) تكره زوجها (عايض) وتراه قبيح الشكل وفي نومها تحلم بأنها بادلته بزوج صديقتها (موزة) ولكنها بمجرد أن تراها في الحلم وهي في حضن زوجها عايض تتملكها الغيرة ويتحول عايض من شخص كريه الشكل إلى محبوب فتصيح في صديقتها :”ابعدي عن عايض أيتها الحقيرة” ، نحن أمام مجموعة قصصية مكتوبة بذكاء وإبداع ولم تخل قصة من عنصر المفاجأة في نهايتها وتراوح أسلوب السرد مابين ضمير المتكلم وضميرالغائب مما وفر عنصر التنوع وأضفي الإحساس بالحميمية والمصداقية ، وحرصت المؤلفة على أن يكون الإيقاع سريعاً فاستخدمت لغة سهلة وكلمات معبرة وجملاً قصيرة وكثفت أحداث قصصها لتحقق الإثارة والتشويق ، فجاءت هذه المجموعة إضافة جيدة لرصيد تهاني الهاشمي من الإبداع الروائي ونرجو لها أن تواصل كتاباتها المتميزة لتحقق المزيد من التألق والإبداع.

بلقم: عبدالمقصود محمد (ناقد وكاتب روائي مصري)


أحدث تعديل 18-03-2019 الساعة 16:58