تحفة “روسيني” الخالدة “القداس الصغير المهيب” في حفلة للأوركسترا الفلهارمونية وجوقة الجامعة الأنطونية برعاية ميقاتي


برعاية رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي، وبدعوة من وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى، ورئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس، وبالتعاون مع المركز الثقافي الإيطالي والجامعة الأنطونية، أحيت الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية وجوقة الجامعة الأنطونية حفلة موسيقية، قدّما فيها تحفة روسّيني الخالدة “Petite Messe Solenelle” ، بقيادة المايسترو الأب توفيق معتوق، وغناء السوبرانو الإيطالية كاترينا دي تونّو، والميزو- سوبرانو أنجيلا سكيزانو، والتينور جوزف دحدح والباريتون سيزار ناعسي، وذلك في كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في الأشرفية.

حضر الأمسية شخصيات سياسية ودبلوماسية وثقافية وإعلامية، وفي مقدمتهم ممثلة رئيس الحكومة السيدة مي نجيب ميقاتي، ممثلة وزير الثقافة القاضية مايا كنعان المرتضى، النائب إبراهيم كنعان، وسفراء: إيطاليا فابريتسيو مارتشيلي، الأرجنتين ماريا فرجينيا رويس، الأورغواي، مدير المركز الثقافي الإيطالي أنجيلو جيو، نائب رئيس الجامعة الأنطونية الأب جان علم، ممثل رئيس الجامعة الأب زياد معتوق، ونائبة رئيسة الكونسرفتوار السيدة أمينة بري فواز، وأعضاء من مجلس إدارة المعهد، و مديرون عامون ورجال دين وقضاة.

ألقت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى هبة القواس كلمة رحبت فيها بالحضور وقالت: “اليوم ليلة خاصة جداً، لأن لبنان في أصعب الظروف قادر أن يقدّم هذا العمل الموسيقي، الذي يُعدّ من أصعب الأعمال في ريبيرتوار الموسيقى العالمية. وهنا أود أن أشكر التعاون مع المركز الثقافي الإيطالي ممثلاً بمديره السيد أنجيلو جيو، على العمل الدائم والأفكار الملهمة لنبني عليها في المستقبل. وطبعاً التعاون الدائم مع الجامعة الأنطونية، على أمل أن يكون التعاون الليلة مدماكاً لمدّ جسور التواصل لبناء صروح كبيرة على المستوى الثقافي والموسيقي في لبنان. الرعاية اليوم خاصة جداً، دولة الرئيس ممثلاً بالسيدة مي ووزير الثقافة ممثلاً بالسيدة مايا، ولولا إيمان دولة رئيس مجلس الوزراء بأهمية الموسيقى على مستوى الدبلوماسية الموسيقية والثقافة والحضارة، وعلى مستوى بناء “إيكوسيستم” ليكون الاقتصاد الموسيقي أحد الأعمدة الكبرى للاقتصاد في لبنان، ولولا دعم وزير الثقافة لما استطعنا النهوض بهذه المؤسسة بعد توقفها. ووجود السيدة مي خاصة اليوم ممثلة دولة الرئيس يجسد الرؤية الكبيرة للدولة في لبنان، وأيضاً وجود رئيس لجنة المال في مجلس النواب معنا اليوم الذي دعمنا في نهضتنا دعماً كبيراً. وهذا كله يثبت أن لدينا دولة تتمتع بوعي كبير في الثقافة والموسيقى، وهذا ما يجعلنا نرى هذه الأعداد من الموسيقيين التي هي عبارة عن تقنيات وسنوات طويلة من الموسيقى والتعلم والتدريب، لكي يصلوا إلى هذا المستوى العالي من العزف الذي سنسمعه الليلة، وهم أعضاء الأوركسترا وأعضاء الكورال. وأحيي المايسترو توفيق معتوق أحد المسؤولين في الجامعة الأنطونية، ولكنه أيضاً ابن الكونسرفتوار وخريجه ومنسق مادة الغناء الأوبرالي في الكونسرفتوار، ونحن سعيدون أن يكون هو الليلة قائد الأوركسترا الضيف في عمل موسيقي كبير تبدع فيه الأوركسترا، ويكون بمثابة صرخة من لبنان إلى العالم، نقول من خلالها أننا قادرون أن نوجه لكم الصوت الحضاري كما هو لبنان دائماً”.

وألقت ممثلة الوزير المرتضى القاضية كنعان كلمة بالمناسبة شددت فيها على “أهمية العيش الواحد والتواصل مع الآخر في وطن يحمل صفة الرسالة”.

ومما جاء في كلمتها: “يُشرَّفَني أن أقف أمامكم في هذا الحفل الذي يجري في هذا المكان المهيب برعايةٍ كريمة من دولة رئيس مجلس الوزراء وبدعوةٍ من وزير الثقافة (الذي يعتذر عن عدم تمكنّه من الحضور بداعي سفرٍ طارئ) ورئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى، بالتعاون مع المركز الثقافي الإيطالي والذي تحييه الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية وكورال الجامعة الانطونية (وهي الجامعة التي تعني الكثير لوزير الثقافة الذي يتغنّى بتهمةٍ هي الأحب على قلبه اطلقها عليه رهبان الأنطونية بأنه الوزير الأنطوني) .

وقالت: “نلتقي في رحاب هذا الصرح الوطني الكبير الذي يُعلّم الأجيال منذ عقود العيش معًا ويبني جسر عبور نحو الآخر ويصقلُ مرآةً صادقة للحوار والمحبة والتكامل بين الثقافات. نلتقي لنزداد وعياً  بأن لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي يحمل صفة الرسالة، فهو الوطنُ الذي لا تكتمل فيه الذات إلا من خلال عيشٍ واحد تتواصل فيه مع الآخر وتتكامل معه وهذا في صلب ميثاقنا ودستورنا، في إطار من الوحدة مع التنوّع  يشكّل نقيض الأحادية والعنصرية والفاشية التي بُنيَ عليها الكيان المغتصب المزروع في فلسطين المحتلّة بمحاذاة جنوبنا الأبيّ العزيز. ما نحتفل به الليلة هو مقاومة ثقافية بامتياز نقول عبرها لهذا العدو أن أجراس كنائسنا ستظلّ تُقرع ومآذن جوامعنا ستبقى تصدح وأن مساجدنا ومعابدنا ستضجّ بالصلاة لبقاء العيش الواحد لأننا كلما فعلنا ذلك أحبطنا محاولة هذا الكيان  نقل جرثومته القاتلة إلى لبناننا الحبيب”.

وتابعت :”من هذه الكنيسة في هذه المنطقة العزيزة في الأشرفية نأملُ أن يحلّ الروح القدس على كل الأَفرقاء في لبنان حتى ينتهجوا الحوار سبيلًا والاعتدال طريقًا، وليعلموا أن الفراغ المؤسساتي وتآكلَ الدولة يشكلان خطرًا وجوديًا خصوصًا في مرحلةٍ اقليميةٍ في غاية الدقة والخطورة، عساهم يسرعون الى تلبية الحوار الوطني  تحت قبة البرلمان، وفق ما دعا اليه مراراً دولة الرئيس نبيه بري وما أكّد عليه دولة الرئيس نجيب ميقاتي، لنعيدُ ترميم  حياتنا الدستورية والمؤسساتية لنتمكن بعدها من التعامل مع التحديات والتداعيات التي تُلبّد أجواء المنطقة “.وختمت القاضية  كنعان: “أخيرًا  فلنُكثِر مِن هذه الموسيقى المقدّسة لأنها تغسلُ النفسَ وتنقّي الضمير وتطهّر الأخلاق وتحضّرنا لمأدبة المحبة.”

في مشهد مهيب للأوركسترا والجوقة والمؤدّين المنفردين، تحول مذبح الكنيسة بإضاءته المميزة والخاصة بالحفلة الروسينية الكبيرة، إلى مسرح مبهر من زمن الموسيقي العبقري، الذي  ألف أعمالاً شكلت تاريخ فن الأوبرا في العالم. حيث رسم العازفون والمؤدون والمنشدون إطارًا صوتيًّا مشهديًا ساحرًا من نطاق أوبرالي لـ “الموسيقى المقدسة” التي قال عنها روسيني إنها “تحتوي القليل من العلم والقليل من القلب، والتي تتوسل في الوقت نفسه الوصول المباشر إلى الجنة”.

تَعانق عزف الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية بأصوات جوقة الجامعة الأنطونية وأصوات الصولو في تسلسل منسّق دقيق، وببراعة توحيد النمط الديني والأوبرا بهندسة فنيّة مذهلة. في أعلى المذبح إصطفّ خمسون منشداً ومنشدة من الغناء الجوقي، وعلى المنصّة المايسترو وإلى جانبيه المنشدون المنفردون.

هذا المشهد الذي يفرض الإصغاء العميق بصرياً وسمعياً وتقنياً، بقيادة عالية الحضور والمستوى لقائد الأوركسترا المايسترو الأب توفيق معتوق، وبحضور متميز لأربعة مغنّين متمكّنين من استحضار أهم أعمال روسيني بأصوات أوبرالية تحلّق فيها الخامات الأنثوية والذكورية في مشهدية سمعية يرتقي فيها الصوت البشري إلى أبعاد آسرة الحضور. انقسمت هذه الأصوات بين لبنانيَين هما، التينور جوزف دحداح والباريتون سيزار ناعسي، والإيطاليتين الميزو- سوبرانو آنجيلا سكيزانو والسوبرانو كاترينا دي تونّو. دي تونّو مغنية الأوبرا المعروفة والحائزة جوائز عالمية عديدة وهي من الأصوات الأوبرالية الإيطالية ذات الخامة والتاريخ المتميزبن، والتي عُرفت بحضورها على أعرق المسارح الإيطالية والعالمية. وسكيزانو ذات المسار العريق في الغناء الأوبرالي في أعمال عالمية، كان أولها ظهورها في La Cenerentola  لروسيني ليتوالى بعدها ظهورها في إنتاجات موسيقية مهمة. المغنيتان الّلتان شرّعتا حنجرتيهما لأداء مميز تلقفه الحضور إصغاءً، مرتفعاً مع العمل الروسّيني الروحاني إلى خشوع موسيقي أوبرالي خاص. 

تميز كل منشد ومنشدة في الغناء المنفرد بمؤثرات ذاتية في التعبير، فتميز التينور اللبناني جوزف دحداح، المقيم في إيطاليا، والذي شارك في العديد من أعمال الأوبرا والحفلات الموسيقية والمهرجانات الكبرى في لبنان وإيطاليا وألمانيا وفنزويلا وبلغاريا. والذي يتمتع بجمالية صوت استثنائية لامست قلوب الحضور ووجدانهم. بالإضافة إلى تمكّنه من تقنيات “البلكانتو” الإيطالية التي جعلت الجمهور يعتقد أنه إيطالي، وساهم في ذلك مظهره الشبيه بالإيطاليين. وتجدر الإشارة إلى أن دحداح تلقى تدريباً منذ فترة على يد مغنية الأوبرا ورئيسة المعهد هبة القواس التي نصحته بالتوجه إلى إيطاليا آنذاك وإيجاد طريقه هناك لما يمتلك من مقومات، وعلى رغم صعوبة تنفيذ هذه النصيحة لأنها تحتاج إلى نفس طويل، إلا أنه التزم بها وهو اليوم أحد الأصوات اللبنانية العالمية التي تشق طريقاً مرموقاً في مجال الأوبرا العالمية. ولم يثنه نجاحه في الخارج عن العودة إلى بلده والغناء مع الأوركسترا بقيادة توفيق معتوق مثبتاً جدارة كبيرة على مسرح يتقاسمه مع إيطاليين. أما الباريتون اللبناني سيزار ناعسي فهو من الأصوات اللبنانية المميزة وعُرف بمشاركته أيضاً في أعمال أوبرالية مهمة، استطاع جذب الجمهور بجمال صوته ورقيّ أدائه لقداس روسيني.

“القداس الإلهي الصغير” أو “القداس السموي المهيب” الذي يُعد تحفة موسيقية عالمية لروسيني، تكمن أهميته الاستثنائية في مدى صعوبته موسيقيًا، إذ يتفادى تقديم هذا الريبيرتوار كبار الموسيقيين. وفي هذا السياق من الصعوبة والتحديات التقنية، وبشكل خاص في الوضع الراهن في لبنان، أظهرت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية حرفيتها العالية وتمكّنها من تقديم ريبيرتوار بهذه الوزن الموسيقي والصعوبة ولا سيما أن قائد الأوركسترا هو لبناني، وذلك ما تمكنّت منه أيضًا جوقة الجامعة الأنطونية. إذ استطاعت الأوركسترا تنفيذ العمل بحرفية عالية موسيقياً، ومع المقاطع التي نُفذت والتي تشكّل مجمل “القداس”. فكل حركة من هذه المقاطع لها خصوصيتها، إما درامياً أو ليريكياً او حركة مع إيقاع. ومن التحديات الموسيقية التي اجتازتها الأوركسترا أن موسيقى روسيني تتضمّن ثقلاً موسيقياً يتطلب تنفيذه بخفة، وهذا ما أبدع فيه قائد الأوركسترا المايسترو توفيق معتوق، حيث شهدت له انسيابية العمل ودقته ورهافته رغم الحمولة الموسيقية الوازنة، ورغم صعوبة حركة التوزيع الأوركسترالي، التي تتطلب امتلاك تقنيات عالية لتظهير الدراما إنما برهافة وأناقة في التعبير.

هذا العمل المتكامل تقنياً وابتكاراً في التنفيذ وسطوةً في عمق الموسيقى وأبعادها، كان عبارة عن لوحة مدهشة أخاذة أرخت بتأثيرها على الجمهور المنصت بكل جوارحه، والمنتقل إلى عوالم روسيني في قداسه “الصغير” بالتسمية إنما الكبير والجبار. ما يرتّب على إنجازه وقتاً زمنياً طويلاً يحتاج إلى جهد وإصرار وعناد في الأداء من قبل الأوركسترا والجوقة والمؤدين المنفردين، تُمكّنهم من الصمود إلى نهاية العمل المهيب، من دون السقوط في الرتابة.

قدمت تحفة روسيني في هذه الحفلة الاستثنائية، رسالة إلى العالم أن باستطاعة لبنان أن يكون نموذجاً للرقي والحضارة في مواكبته العالمية بكل تجلياتها، على رغم مأسيه.