نشر في 13-05-2020 الساعة 21:14

يكافح القطاع الإعلامي يوميا ومنذ فترة من أجل الصمود والبقاء في لبنان وبخاصة في ظل إعلان عدة وسائل إعلامية إغلاق مكاتبها وتعثر البعض الآخر عن سداد مستحقات العاملين. وفي نفس الوقت يُعاني الإعلاميون والمؤسسات الإعلامية من التدخلات السياسية وعدم حداثة القوانين التي تنظّم العمل الإعلامي، والتي باتت، أقل ما يمكن وصفها به هو الجمود والنقص الذي لا يواكب أو يراعي التطور الهائل في هذا القطاع الحيوي محلياً وعالميا.

لبنان الذي كان منارة للحرية من خلال إعلامه، يحتاج اليوم الى خطة إصلاحية جريئة تكون بمثابة خشبة الخلاص له وتعيد نهضة قطاعه بشكل جذري. ولكن أين لبنان من هذه الصورة اليوم؟

الوزيرة عبد الصمد: نحو إلغاء الوصاية السياسية عن القطاع الإعلامي

إنطلاقا من إيمانها بضرورة الحفاظ على الدور الريادي للإعلام اللبناني وما يتطلبه من تحديث لقوانين الإعلام الحاليّة، اقترحت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد خطة لمجلس الوزراء تتضمن تعديلات على قانون الإعلام بشكل يجعله مواكبا للعصر الحديث ويحفظ الحريات الإعلامية بعيدا عن أي وصاية سياسية. كما ويسمح بتعديل شكل الوزارة لتصبح أكثر تخصصية في شؤون تواصل الحكومة الإعلامي بدلا من شكلها الحالي كوزارة وسلطة وصاية.
وقد استندت عبد الصمد لأفكار فريق عمل متخصص في الشؤون الإعلامية والقانونية والاقتصادية كما واستلهمت من مقترح قانون الإعلام الذي تتم مناقشته حاليا ومن المنظمات المجتمعية غير الحكومية.
ويؤكد خبراء قانونيون وإعلاميون أن من شأن هذه الخطة إحداث نقلة نوعية وبخاصة لناحية انتظام المواقع الالكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي والمدونات الرقمية ضمن المجموعة الاعلامية في لبنان. كما وتضمن اقتراح عبد الصمد ولأول مرة تعديل دور وزارة الإعلام وهيكليتها بشكل يجعلها أكثر تخصصية لناحية تواصلها مع الشعب وبين الوزارات، الى جانب إنشاء هيئة ناظمة لا تتدخل في العمل الإعلامي لكنها تنظمه بما يتواءم مع مفهوم الحريات الاعلامية.

فالتنظيم، بحسب فريق الوزيرة، يأتي لدعم وصون الحرية التي يتمتع بها الإعلام في لبنان ضمن قانون عصري وحديث، وبحيث لن يكون مقيّدا للاعلام الحر والمستقل.

تعديل دور وزارة الإعلام

من جهته، يؤكد الوزير السابق زياد بارود، الذي عمل مع الوزيرة عبد الصمد خلال الفترة السابقة على النقاط التي تضمنتها الخطة، أن “مبادرة الوزيرة تعني القطاع الإعلامي الرسمي والخاص على السواء. وقد أرادت الوزيرة أن تقارب ملف الاعلام بطريقة مختلفة وشاملة لا تقتصر على شق واحد وإنما تحاول أن تفتح ورشة كاملة لكل أوجه القطاع الإعلامي.“

فالوزيرة عبد الصمد، على سبيل المثال، اقترحت استبدال وزارة الإعلام بوزارة دولة لشؤون التواصل وبشكل ينزع منها سلطة الوصاية السياسية على القطاع الإعلامي ويجعلها أكثر تخصصا في شؤون التواصل بين الحكومة والشعب وبين الوزارات. الوزارة، بحسب خطة إعادة الهيكلة التي اقترحتها عبد الصمد تحوّل الوزارة بشكل من الأشكال إلى مكتب وزير لشؤون التواصل.

ويرى بارود أن ما تقوم به عبد الصمد ”هي خطوة متقدمة لها دلالات عدة: فمن جهة، هذا يلبي مطلب اصلاحي مزمن بعدم جدوى وزارة إعلام بالمعنى التقليدي؛ ومن جهة أخرى تقترح تحوّلها لوزير دولة لشؤون التواصل، أي من دون هيكليّة وظيفية مرهقة للدولة بحيث يكون هناك وزير على طاولة مجلس الوزراء معني بشؤون التواصل بمعناه الواسع”.

إنشاء هيئة ناظمة

ومن ضمن المقترحات التي تضمنتها خطة الوزيرة، التي عرضتها على الحكومة يوم أمس الثلاثاء، إنشاء هيئة ناظمة لقطاع الإعلام تكون مستقلة عن الجهات السياسية في الدولة وتعمل على تنظيم القطاع الإعلامي وحمايته من التدخلات السياسية ويتمتع أعضاءها بالخبرة والكفاءة، وهو ما يواكب التوجه الدولي في هذا الإطار لناحية الإصلاحات عبر إنشاء هيئات ناظمة مستقلة تستطيع أن تنأى بنفسها عن التجاذبات السياسية.

وقد شرحت عبد الصمد شكل الهيئة خلال مقاربتها للموضوع قائلة أنها ستُعطى القدرة على إصدار تنظيمات للقطاع، تماماً كالهيئة الناظمة للاتصالات والتي للأسف لم تُعط الحيز اللازم للعمل؛ كما وهناك أيضا هيئة ادارة قطاع البترول التي تأسست في العام ٢٠١٢ والتي أدت دورا مهما في إعداد دورات التراخيص والمواصفات وإدارة الأنشطة البترولية.

يؤكد بارود على كلام الوزيرة ويضيف: “نجحت الهيئة الناظمة في إدارة قطاع البترول باصدارها قرارات وتراخيص شفافة، وكذلك الهيئة الناظمة للاتصالات، الأمر الذي لم يعجب البعض مما أدى الى محاربتها من بعض القوى السياسية وهذا الأمر ليس الا دليل على نجاحها خصوصا  أنه عند انتهاء ولايتها لم يتم تعيين آخرين. لذا اقتراح الوزيرة بإنشاء هذه الهيئة ينسجم جيدا مع النمط العالمي ومع ضرورة استقلالية القطاع في لبنان وهذه الهيئة بامكانها أن تجيب على أسئلة عدة حول المعوقات والصعوبات التي يواجهها الإعلاميون والمؤسسات. فالهيئة تتمتع باستقلالية مالية وإدارية وهي قادرة على تطوير القطاع لأن التشريعات القائمة حاليا تعود إما الى ستينات أو الى تسعينات القرن الماضي…. كما وأن تطور تكنولوجيا المعلومات فرض ولا يزال يفرض مقاربة مختلفة تماما عن المقاربة التقليدية وبرأيي تستطيع هيئة ناظمة مستقلة أن تؤدي الدور التحديثي والتطويري اللازم وهذا الأمر يجب أن يواكبه أيضا تطوير للنقابات المعنية بقطاع الإعلام وإعطائها حيزا أكبر على المستوى التنظيمي أي لا بد من إعطاء نقابة المحررين موقعها التنظيمي بأن تشمل كل الإعلاميين في القطاعين العام والخاص.“

يُذكر أن عبد الصمد كانت قد اقترحت أيضاً دمج أقسام الوزارة الإعلامية كتلفزيون لبنان والاذاعة اللبنانية وغيرها، وتوحيدها في مؤسسة واحدة على غرار نموذج “بي بي سي” في بريطانيا، وتكون مستقلة في عملها الإعلامي وتتمتع بالحداثة لتوكب تطور القطاع بأدوات عصرية ومنصات رقمية، وبحيث يتم تنظيم اطر عملها عبرالهيئة الناظمة لحمايتها ودعمها.

في القانون

يقول بارود: “الخطة تتضمن خطوطا عريضة وبالتالي ستكون المرحلة اللاحقة هي مرحلة صياغة للأفكار في إطار مشروع قانون تفصيلي تعود به الوزيرة الى مجلس الوزراء للموافقة عليه ومن ثم يرسل الى مجلس النواب تمهيدا لإقراره وقد يكون المسار طويل ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة”، مشيدا بـ”مبادرة الوزيرة في وضع الأمور على السكة الصحيحة فهي اختارت الطريق الأصعب وهو الأصح لأن اصلاح قطاع الاعلام لا يمكن أن يتم بإجراءات بسيطة وانما المطلوب اصلاحات جذرية وهو ما تحاول أن تقدمه في هذه الخطة”.

أزمات مستمرة وإعلام يُعاني
القصيفي

من جهته، يشدد نقيب المحررين جوزيف القصيفي على أن “القطاع الإعلامي بحاجة إلى قوانين متطورة وناظمة ترعاه وتصوغ مهمته ورسالته في عصرنا الحالي”، لافتا الى أن “قانون المطبوعات الذي أنشأ نقابة محرري الصحافة اللبنانية إنما أنشأها على قاعدة ولايتها على العاملين في الصحافة المكتوبة فقط وبالتالي فإن الحاجة لتطور هذه النقابة عليها أن تشمل العاملين في قطاع الإعلام المرئي والمسموع والصحافة الالكترونية عبر إقرار مشروع قانون يشرع الانتساب الى النقابة للعاملين في كل القطاعات الاعلامية”، مشيرا الى أن “النقابة بدأت بقبول انتساب جميع العاملين بانتظار التشريع النهائي”.

ويلفت الى أن “غياب صندوق التقاعد والتعاضد يزيد الأعباء على العاملين في القطاع”. وعن أسباب ذلك يوضح القصيفي أن “إنشاء هكذا صندوق ستكون تكلفته باهظة وخصوصا أن نسب الرواتب متدنية ولا تسمح بتغذية هذا الصندوق من اشتراكات العاملين في هذا القطاع”، مشددا على أهمية “توفير الدعم المالي من القطاع العام لانشائه أو أن يتم تقديم بدائل لضمان الأمن الاجتماعي للعاملين في هذه المهنة”.

عويس
في المقابل، فمن المتوقع، ومع اقرار الخطة المقترحة ووضع التعديلات القانونية التي تعمل عليها وزارة الإعلام منذ عدة أشهر، أن يشهد القطاع الإعلامي في لبنان انفراجات، بخاصة انه كان يُعاني، منذ ما قبل حدوث الأزمات الحالية، من مشاكل تمويلية وقانونية.

في حديث خاص الى الموقع الرسمي لـ”وزارة الإعلام”، تشير رئيسة جمعية الاعلاميين الاقتصاديين والصحافية في جريدة “النهار” سابين عويس، الى  تراجع التمويل في القطاع بالاستناد لتراجع ”التمويل السياسي، وحروب الجوار والمنطقة، تدهور أسعار البترول عالميا، واشتعال الانتفاضة الشعبية“ وهو ما أثر سلبا على الفضائيات العربية في المجال المرئي في المنطقة. وتُعطي عويس ”النهار“ كمثال لمؤسسات القطاع الخاص التي تعاني من نقص في التمويل وقلة في المداخيل، مطالبة انقاذ “الاعلام الحر” الذي يرفض مد يده للمال المسيّس للمحافظة على حريته.

وبحسب عويس، أضحت الحرية الشخصية للصحافي في السنوات الثلاث الأخيرة منتهكة “إذ بتنا نرى بعض الصحافيين يمثلون أمام القضاء بين فترة وأخرى وتحديدا هيئات التفتيش القضائي أو النيابة العامة التمييزية بفعل غياب الحصانة وعدم الرجوع الى قانون المطبوعات الذي وجد ليضمن حرية وحصانة الصحافي عند التعرض للملاحقة الكيدية.“
كما وأشارت إلى غياب أي تنظيم قانوني للمواقع الالكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي وهو ما يشكل خطرا على الأمن القومي والمصلحة العامة. فقد أضحى أي إنسان يعتبر نفسه مخبرا عكس الصحافي الذي يعمل على مقاربة الموضوع وتقديمه للقارئ بمسؤولية ومصداقية. أضف الى انتشار الجيوش الالكترونية التي تعمل على ”نشر الأضاليل والترويج لأخبار لها أبعاد وأهداف غير بريئة الأمر الذي يحتم إيجاد قانون يضبطها”.

المصدر وزارة الاعلام اللبنانية


أحدث تعديل 13-05-2020 الساعة 21:14